البحث عن مطار آمن!
كان لافتا التزام «إسرائيل» الصمت حيال خطاب السيد حسن نصر الله الأخير، الذي هدّد فيه بضرب تل أبيب في حال ضربوا بيروت، على قاعدة إذا ضربتم مطارنا سنضرب مطاركم.
الصمت كان استمرارا للسياسة الكلاسيكية التي اعتمدها الصهاينة في أعقاب حرب تموز، بتجنب إعطاء الفرصة للسيد نصر الله بشن حربه النفسية التي دأب على ممارستها لخلخلة معنوياتِ المجتمعِ الاسرائيلي. إلا أن الخطاب الأخير الذي سعى من خلاله إلى تأسيس حالة جديدة من توازن الردع، لم يستطع الإسرائيليون تجاهله لأكثر من يومين، وسرعان ما شرعوا في اتخاذ خطواتٍ عملية على الأرض.
قبل عامٍ، نشر استطلاعٌ أجري في قلب الكيان الصهيوني، أظهر أن الإسرائيليين يثقون بكلام نصر الله ويصدقون تصريحاته أكثر مما يصدقون تصريحات زعمائهم، فالرجل إذا قال فعل. وتصريحات ومواقف نصر الله لم تعد تقلق الشارع هناك فحسب، بل أصبحت تؤرق مواقع صنع القرار، فقد خبروه وعرفوه وجرّبوه طوال عشرين عاما، فلم يروا غير الصدق والصلابة والعزيمة والصبر على مضض الجراح. والأخطر أنه يهدّد ببعث حالةٍ جديدةٍ في الأمة، التي أخذت تقارن بين أداء بضعة آلافٍ من المقاتلين في إلحاق الانتكاسات بجيش العدو خلال عشر سنوات، وبين عشرات الجيوش النظامية وما سجلته من انتكاسات طوال ستين عاما من الصراع المرير.
بعد الخطاب الأخير، تجنب الإسرائيليون الإدلاء بأي تعليق، فيما اكتفى الإعلام الإسرائيلي بنقل مقاطع مجتزأة منه، التزاما بأوامر الرقابة العسكرية التي تسعى لإيقاف الحرب النفسية التي يشنها نصر الله على المجتمع الإسرائيلي، ويطلع للعدو بين فترةٍ وأخرى بتهديداته التي تؤرق كل بيت وحارة وشارع.
في زمن الهزائم العربية السابقة، وخصوصا حرب 1967، كان العرب يلجأون إلى الإعلام الغربي والبريطاني بعدما فقدوا ثقتهم بإعلامهم، أما اليوم فانقلبت الآية، وثار الجدل لدى الإعلام الإسرائيلي حول طريقة التعامل مع خطابات نصر الله، وخصوصا بعدما رأوا تأثيراتها على مجتمعهم بعد حرب تموز. وأثناء الحرب اعتبره علماء النفس الاجتماعي في «إسرائيل» الشخصية الإعلامية الأولى التي ينتظرها الإسرائيليون لسماع آخر الأخبار وأصدقها، واعتبروا خطاباته لا تقل خطورة عن وقع الصواريخ على رؤوس المستوطنين.
الجديد في الموضوع أن الاحتلال شرع باتخاذ خطوات عملية للوضع الذي اهتز من جديد بعد الخطاب، فوزير التطوير الإقليمي (سلفان شالوم) ذهب إلى النقب في أقصى جنوب فلسطين المحتلة، للبحث في إقامة مطار مدني في قاعدة عسكرية بديلا لمطار بن غوريون، الذي وضعه حزب الله هدفا أول في أية حرب مقبلة. أما على مستوى الخارج، فتم تشكيل وحدة لحماية كبار الضباط الإسرائيليين أثناء سفرهم.
النقب أبعد نقطة في «إسرائيل» عن جنوب لبنان، ولذلك سعى سلاح الجو الإسرائيلي منذ حرب تموز للابتعاد عن مرمى صواريخ المقاومة، واعترف قائد سلاح الجو بأن ثلث قواته تخدم هناك، لكن لا يجري ذلك علنا. فهم يعرفون أن المقاومة ليست كالضبع التي تنام على طولِ اللدم، حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها... وإنّما هؤلاء بقايا أسياف فاتحي حصون خيبر
قاسم حسين