البولينغ وكرة الثلج!
يبدو أن كرة الثلج الصغيرة ستظلّ تتدحرج وتتدحرج مثل كرة البولينغ حتى تطيح بمزيد من الأنصاب المنصوبة في عرضٍ فانتازي مثير!
في البداية، تصريحٌ لأمين عام جمعيةٍ سياسية، يكرّر كلاما سبق أن طرحه سنواتٍ عشرات المرات على رؤوس الأشهاد، دون أن تثور زوبعة أو يزمجر إعصار. أمّا هذه المرة فقد وجد الرأي العام نفسه أمام حكايةٍ مسليةٍ تتتابع فصولها حتى تصبح أطول من قصة «عرّوه»!
يبدأ الفصل الأول باستهداف شركة طيران ليس لها في العير ولا في النفير. تدافع الشركة المرعوبة عن نفسها وهي مازالت تحت تأثير الصدمة. تنتقل الكرة إلى حملة إعلامية يتصاعد دخانها ويزداد ضجيجها... حتى يصل الاستهداف إلى سفير أجنبي، يجد نفسه مقحما بالقوة في شأن داخلي بهذه الصورة التي ستصيب السلك الدبلوماسي كله بالشلل والرعب! فبعد اليوم سيصبح القناصل والسفراء يواجهون تهمة التآمر، والتهديد بالطرد عندما يفكّر أحدهم بالالتقاء بأية جمعيةٍ سياسيةٍ أو يشارك في فعاليةٍ ثقافية أو يقوم بزيارة حتى نادٍ رياضي!
يدعو أحدهم إلى مسيرةٍ احتجاجية لا يشارك فيها أكثر من عشرين شخصا، نصفهم أطفال دون الخامسة عشرة، يصفها المراقبون بأنها مخيبةٌ للآمال. وينصح بعض الكتّاب بعدم تكرار هذه الحركة لأنها «تُفشّل». العشرون متجمهرا يصدرون بيانا يدعون فيه إلى طرد سفير دولة صديقة، فيحرجون الجهات الدبلوماسية.
يخرج بعض «البيوريتانيين» من أدعياء الطهارة السياسية والنقاء والصفاء ليشاركوا في الزفّة. في اليوم التالي تنشر الصحافة المستقلة صور اجتماعهم هم أنفسهم مع السفير نفسه! وبدل أن (يختشوا) يقومون بمزيد من الحركات العصبية والتصعيد، مطالبين بطرد السفير وحلّ الجمعية المنافِسة لهم في البرلمان. فمن شرائط النقاء أن تبيح لنفسك ما تحرّمه على غيرك، وتلك قمة التقوى والورع ومن علامات التديّن الرصين!
السفارة التي لم تستوعب سبب هذه الضجة، تقول إنها اجتمعت في مناسباتٍ شتى مع هؤلاء الذين يهاجمونها... وتذكّرهم بالأيام والتواريخ! يصدر أحدهم من الفصيل الآخر بيانا ينفي نفيا تامّا حدوث أي لقاء مع السفير، فـ «البيوريتانية» في دماء هذا الفصيل أعلى نسبة، والطهرانية التي يعيشونها تحرّم عليهم مصافحة أي أجنبي من أي مِلّةٍ أو نِحلَةٍ أو دين! يُصدر السفير بيانا يذكّرهم بتواريخ لقاءاتهم معه، وما نُشر في الصحف مرفقا بالصور والكبشنات! تهدّد الجماعة بالردّ في بيانٍ جديد، ويحبس الجمهور أنفاسه حتى يوم تنفيذ التهديد (صباح اليوم الأربعاء)!
تخرج «بيوريتانيةٌ» أخرى في ليلة استضافة البحرين لضيفها الكبير فوغ راسموسن، بدعوة السفير المتهم للمثول أمام محكمتها. السفير الذي لم يقابل في حياته تصرفات غير لائقة كتلك، يرفض بهدوء. تقوم بنشر أسئلتها على الملأ ومحضر التحقيق، على طريقة أجاثا كريستي في كتابة القصص البوليسية الرديئة. كريستي نفسها لم تقلع عن كتابة القصص البوليسية الرديئة حتى بعد أن بلغت السبعين!
كريستي التي وُلدت من أب أميركي وأم بريطانية، تعترف في مذكراتها أنها عاشت طفولة خالية من الجدّ وأعباء الدروس، فانفسح لها الوقت للتجول في الحدائق الواسعة «وهكذا صرت أسيح مع الأسماك ما شاء لي الهوى»... خصوصا (الفسكر)!
مازالت كرة البولينغ تتدحرج وتتدحرج لتطيح في طريقها بالمزيد من الأوتاد المنصوبة نهاية المضمار، في فصولٍ جديدةٍ ستنسي الناس إلى الأبد قصّة «عرّوه»!
قاسم حسين